ياقوت الحموي

292

معجم البلدان

عن سعيد بن سلم قال : أخبرني مطيع بن إياس أنه كان مع سلم بن قتيبة بالري ، فلما خرج إبراهيم بن الحسن كتب إليه المنصور يأمره باستخلاف رجل على عمله والقدوم عليه في خاصته على البريد ، قال مطيع ابن إياس : وكانت لي جارية يقال لها جوذابة كنت أحبها ، فأمرني سلم بالخروج معه فاضطررت إلى بيع الجارية فبعتها وندمت على ذلك بعد خروجي وتتبعتها نفسي ، فنزلنا حلوان فجلست على العقبة أنتظر ثقلي وعنان دابتي في يدي وأنا مستند إلى نخلة على العقبة وإلى جانبها نخلة أخرى فتذكرت الجارية واشتقت إليها فأنشدت أقول : أسعداني يا نخلتي حلوان ، وابكياني من ريب هذا الزمان واعلما أن ريبه لم يزل يفرق بين الآلاف والجيران ولعمري ، لو ذقتما ألم الفرقة أبكاكما الذي أبكاني أسعداني ، وأيقنا أن نحسا سوف يأتيكما فتفترقان كم رمتني صروف هذي الليالي بفراق الأحباب والخلان غير أني لم تلق نفسي كما لاقيت من فرقة ابنة الدهقان جارة لي بالري تذهب همي ، ويسلي دنوها أحزاني فجعتني الأيام ، أغبط ما كنت ، بصدع للبين غير مدان وبزعمي أن أصبحت لا تراها العين مني ، وأصبحت لا تراني وعن سعيد بن سلم عن مطيع قال : كانت لي بالري جارية أيام مقامي بها مع سلم بن قتيبة ، فكنت أتستر بها وأتعشق امرأة من بنات الدهاقين ، وكنت نازلا إلى جنبها في دار لها ، فلما خرجنا بعت الجارية وبقيت في نفسي علاقة من المرأة ، فلما نزلنا بعقبة حلوان جلست مستندا إلى إحدى النخلتين اللتين على العقبة وقلت ، وذكر الأبيات ، فقال لي سلم : فيمن هذه الأبيات ، أفي جاريتك ؟ فاستحييت أن أصدقه فقلت : نعم ، فكتب من وقته إلى خليفته أن يبتاعها لي ، فلم يلبث أن ورد كتابه بأني قد وجدتها وقد تداولها الرجال وقد بلغت خمسة آلاف درهم فإن أمرت أن أشتريها ، فأخبرني بذلك سلم وقال : أيما أحب إليك هي أم خمسة آلاف درهم ؟ فقلت : أما إن كانت قد تداولها الرجال فقد عزفت نفسي عنها ، فأمر لي بخمسة آلاف درهم ، فقلت : والله ما كان في نفسي منها شئ ولو كنت أحبها لم أبال إذا رجعت إلي بمن تداولها ولا أبالي لو ناكها أهل منى كلهم ، وذكر المدائني أن المنصور اجتاز بنخلتي حلوان وكانت إحداهما على الطريق وكانت تضيقه وتزدحم الأثقال عليه فأمر بقطعها ، فأنشد قول مطيع : واعلما إن بقيتما أن نحسا سوف يلقاكما فتفترقان فقال : لا والله لا كنت ذلك النحس الذي يفرق بينهما ! فانصرف وتركهما ، وذكر أحمد بن إبراهيم عن أبيه عن جده إسماعيل بن داود أن المهدي قال : أكثر الشعراء في ذكر نخلتي حلوان ولهممت بقطعهما فبلغ قولي المنصور فكتب إلي : بلغني أنك هممت بقطع نخلتي حلوان ولا فائدة لك في قطعهما ولا ضرر عليك في بقائهما وأنا أعيذك بالله أن تكون